مقالات السلطة والحياة في قصرَيْن عربيّين ملكي و"ماركسي

من النصوص الأكثر تشويقاً لمزاجي في القراءة، والأرجح لأمزجة عديدة غيري تهتم بفئة المذكّرات، كتابان بين الكتب التي قرأتها مؤخّرا: "سيرة أمير مُبعَد - المغرب لناظره قريب" للأمير مولاي هشام العلوي ابن عم ملك المغرب الحالي محمد السادس وابن شقيق الملك السابق الحسن الثاني وكتاب "جنوب اليمن في حكم اليسار - شهادة شخصية" للدكتور فواز طرابلسي. الكتابان صدرا حديثا في هذه الأسابيع الأخيرة من العام 2015. الأول كترجمة باللغة العربية من "دار الجديد" نقلا عن الطبعة الفرنسية عام 2014 والثاني من منشورات "رياض نجيب الريِّس". لكني لم أخترْهما للكتابة عنهما بسبب استمتاعي بقراءتهما فقط وإنما بسبب كونهما يعرضان تجربة ممارسة سلطة سياسية وحكم دولة لا من بلدين مختلفين فحسب بل من "عالمين" سلطويّين سياسيّيْن اجتماعيّين اقتصاديّين مختلفين. المملكة المغربية منظورا إليها من بعض أعلى مراتب وحميميات سلطتها العائلية وقصرها الملكي، ودولة جنوب اليمن منظورا إليها من تجربة مثقف سياسي أتيح له لأسباب عديدة شخصية وحزبية وسياسية أن يكون على صلة وثيقة بمعظم القيادات العليا التي تعاقبت على حكمها حتى زوالها في أوائل التسعينات من القرن الماضي. الأمير هشام كان ابن شقيق الملك الذي سيحظى بحياة مشتركة في كل شيء مع ابن الملك الذي سيصبح ملكا. والرفيق فواز كان صديق "الملوك الجدد" في جمهورية حكمها قوميون عرب أصبحوا ماركسيين بعد العام 1967. الرفاق الذين يخبرنا فواز طرابلسي، من خلال حوار مع السيدة الناشطة اليمنية بشرى المقطري، والتي يعترف لها فواز بفضلها في الإلحاح على استخراج معلوماته وتنظيمها ليحرر النص لاحقاً... يخبرنا متألماً ولكنْ صريحاً كيف تَتابع قتْلُهُمْ لبعضهم البعض على مدى عقدين بعنف كانوا لا يتورّعون فيه عن إقحام أعداد كبيرة من الكوادر والضباط والجنود والقبائل في الصراعات المنفجرة بينهم والتي لم تتوقف منذ التأسيس حتى زوال الدولة الجنوبية في وحدة "إرادية" ثم قسرية مع دولة الشمال اليمني. أما الأمير وهو يعرض أسرار علاقات القصر وتصاعد قوة وقسوة الملك الحسن الثاني أمام التحديات الكبيرة التي واجهته تدريجيا يستفيض في ما لا يمكن تلافي أن يصبح جذابا جدا كقصص ألف ليلة وليلة أحيانا رغم كل رصانة الأمير في العرض ومسؤوليته في تقديم المعلومات العائلية عن الملك أو المتعلقة بالحاشية ورجال الدولة. من الصعب وجود كاتب ذكي لا تكون كتابته موسومة بحس سخرية ما قليل أو كثير. لكن من قلب السحر الأسود للسلطة فإن السخرية تحضر في إطار مفاجئ من علاقات قوة. الكاتبان يستجمعان هذه الميزة، رغم المهمة الجادة التي يرسمانها لنفسيهما وهي إلى المذكرات، محاولة تحليل البلد السوسيولوجي والاقتصادي. فالكتابان بالنتيجة كتابا تجربة سلطوية لكن المثقف في كل منهما لا يرتضي أن يهمل الجانب المثالي من كتابه. رسالة الكتاب الأميري من هذه الناحية هي نقد عدم التطور الديموقراطي لبلاده ومن ضمنه الفساد وتقديم ذلك على أنه سبب حاسم لانشقاقه شخصيا. أما الكتاب الرفاقي فيمتزج فيه نقد أخطاء "التطبيق" الاشتراكي العزيز دائما وإلى اليوم على فواز طرابلسي بنقد العنف الفالت من عقاله. ليست مهمتي هنا قطعا محاولة "اختصار" الكتابين وإنما السعي ما أمكن للمقارنة بينهما. فإذا كانت الفوارق واضحة خصوصا في الأصول الاجتماعية للسلطة القائمة وهي أصول يحاول الرفيق التفصيل فيها إلى حد تسمية الجذر الطبقي والجهوي لبعض كبار قياديي اليمن الجنوبي ومنهم من الشريحة الأدنى في المجتمع ( الخدم) بينما آخرون من فئات دون الوسطى وأو أدنى شرائح الطبقة الوسطى. أما في كتاب الأمير فنحن بشكلٍ تلقائي أمام الطبقات التقليدية العليا (المخزن المغربي) بكل صراعاتها في القصر والدولة حول الملك وأحيانا ضد الملك. إذا كان الرفيق فواز حاسما على مدى الكتاب في كراهية واحتقارالرئيس اليمني الشمالي علي عبدالله صالح الذي هو شخصية مهمة في العلاقات والصراعات بين قادة اليمن الجنوبي بعد العام 1979، القادة الذين ينضح الكتاب بود فواز تجاههم، فإن مولاي هشام الذي يكتب بالنتيجة كتابا معظمه عن عمه الملك الحسن الثاني يُظهِر هذه العلاقة بأنها علاقة حب وكراهية في آن معا كأن للرواية بطلها الوحيد عمليا وهو الملك الحسن لاسيما حين يتعلق الأمر بنوع علاقة الحسن مع والد الكاتب الأمير عبدالله. إلا أن ما يلفت أن والدة مولاي هشام السيدة لمياء رياض الصلح التي كانت نقدية جدا للحسن الثاني ستصبح في عهد الملك الابن مع أبنائها، باستثنائه، موالية تماما للقصر كما يصرّح الكاتب بنوع من الأسى. يقدم الأمير نفسه كرجل أعمال لمشاريع ومقاولات كبيرة ولاسيما عبر بعض دول الخليج وهو لا يبدو من العرض أنه يجد أي مشكلة في هذا الدور داخل المغرب وخارجه. إنه جزء من وضعه "الطبيعي" كما يقدمه مثلما يقدم وجهه الإصلاحي النقدي وأحيانا الراديكالي في النقد. مع الرفيق فواز تمر سيرة الأعمال عبر اليمن الجنوبي بصفتها محاولة عابرة وخاسرة (بالمعنى المالي أيضا) ليست من طبائع الشخص الذي لم يخلق ليكون رجل أعمال مع أن أصوله الاجتماعية، أي أصول عائلته أعلى قطعا من معظم حكام اليمن الجنوبي الماركسيين الذين صادقهم وصادقوه وراقبهم يسقطون واحدا تلو الآخر على يد بعضهم البعض. يلفتني في كتاب فواز طرابلسي أنه لم يأتِ على سيرة التركيب المذهبي لليمن إلا مرة واحدة في الصفحة 208 (إذا لم أكن مخطئاً). وهذا أمر أفهمه وأتفهمه لأنه بمعزل عن تطور الصراع المذهبي في يمن ما بعد تجربة فواز طرابلسي وهي تمتد بين الستينات وأوائل التسعينات من القرن المنصرم، فإن العامل المذهبي لم يكن فعلا أساسياً فيها خصوصا من موقعه في اليمن الجنوبي. ليست الأسرار السياسية أو التي يمكن اعتبارها أسرارً قليلة في الكتابين . على سبيل المثال يورد الأمير هشام أنه في العام 1993 قال له العاهل السعودي فهد في جلسة خاصة كان يحاول التوسط فيها بين الملك الأردني حسين وبينه، قال له:" لماذا يصر الحسين على اتخاذ لقب " الشريف"؟ أليس للتذكير بنسبه وتاريخ عائلته ومطامعه في حكم مكة المكرّمة؟ هل يريد أن يصبح أميراً على الأماكن المقدسة" ( صفحة 211). ينقل فواز طرابلسي عن علي عنتر وزير الدفاع اليمني الجنوبي الذي قتل لاحقا بعد قتل عبد الفتاح اسماعيل الذي كان ساهم في قتل سالم ربيع علي إلخ... يذكر أن عنتر قال لمحسن ابراهيم وله "متباهيا" أنه "سوف يحكم الجزيرة العربية برمتها وتكون له أجمل النساء الأوروبيات الشقراوات اللاتي هن الآن من نصيب أمراء ومشايخ وملوك النفط"( صفحة 112). إذ يعرض الأمير درجة التعالي التي بلغها الجنرال أوفقير حتى على والده الأمير عبدالله وهو الجنرال الذي سينقلب لاحقاً على الملك الحسن الثاني في واحدة من أشهر مؤامرات القصور في العالم المعاصر، يعرض بالمقابل كيف كان والده على صلة حوارية ببعض قادة المعارضة اليسارية المحترمين فيما سيوضح الرفيق كيف نظمت مخابرات اليمن الجنوبي عملية اغتيال رئيس شمالي باشراف مباشر من رئيس الدولة الجنوبية. وكيف على مستوى آخر انقسم قادة الجنوب بين الولاء للصين والولاء للاتحاد السوفياتي لكن أحد أهم العوامل التي جعلت الجناح "الماوي" ينهزم هو أن الصين الشعبية نفسها لم تكن مهتمة إلا جزئيا باليمن الجنوبي في وقت بدأت تنفتح أمامها علاقات اقتصادية مع الشمال والعالم العربي والخليجي! سنرى بالنتيجة كيف تُحوِّل السياسةُ المثقفَ فواز إلى "أمير" في اليمن الجنوبي من حيث كونه في قلب البلاط الماركسي، وكيف تُحوِّل المعارضةُ الأمير هشام إلى مثقف سياسي معارض خارج البلاط. لكن وتداركاً للالتباس: مثلما يعج كتاب الأمير المعارض للسلطة بالولاء للدولة يعج كتاب الرفيق الموالي للدولة بنقد السلطة. لقد حاول الإثنان بلا ريب أن يسردا بحرية ما أمكن. كل ما يعرفه فواز طرابلسي كما قال لي، وأقل مما يعرفه هشام العلوي بالتأكيد وإن كان ما رواه ليس قليلا أبدا. والعملان إضاءة حقيقية عامة وشخصية على بيئتين سلطويتين عربيتين. لو رحت، في نهاية هذه العجالة، أسأل ما الذي يجمع بين هاتين التجربتين وهو سؤال صعب وبسيط في آنٍ معا لقلت: الثقافة الاسلامية العربية وقوتها في رموز واعتبارات السلوك العام والشخصي. لا أقصد هنا بالثقافة الاسلامية أي تشابه مع الثقافة الأصولية و إنما العكس: وجهان لإسلام موروث كلتا السلطتين تحترمه وتخالفه في آن معا! بل تحترمه وتنقضه في آن معا. الحسن الخليفة، أمير المؤمنين لدى المسلمين المغاربة وبقايا يساريي اليمن الجنوبي الذين انقرضت يساريتهم ولم تنقرض جنوبيتهم.

«الأمير الأحمر» مولاي هشام ابن عم ملك المغرب في دردشة مع «القدس العربي»: الأنظمة العربية تراجعت عن مطالب الربيع العربي… السيسي جر السعودية والأردن إلى حرب مفتوحة على الإخوان

لندن ـ «القدس العربي»: في دردشة مع الأمير هشام بن عبدالله العلوي ابن عم ملك المغرب مع «القدس العربي» في لندن اعتبر أن الربيع العربي يشهد حلقة جديدة ممثلة في الحرب الباردة التي تخوضها بعض الأنظمة العربية في الشرق الأوسط فيما بينهما ضمن تفادي تأثيرات الربيع العربي على الوضع الداخلي، هي حرب تستنزفها بينما تراجعت مواضيع كلاسيكية إلى الهامش مثل الصراع العربي ـ الإسرائيلي ورغم الصراع، تستمر حدود سايس بيكو قائمة بدون تغيير.
 
ويؤكد الأمير الملقب بالأمير الأحمر بسبب مواقفه السياسية الجريئة كيف عادت الأنظمة العربية في الشرق الأوسط إلى التزام الصمت تجاه مطالب المواطنين حول الديمقراطية والشفافية والمساواة، وهي المطالب نفسها التي فجرت الربيع العربي في كانون الأول/ ديسمبر 2010، لتدخل في صراعات إقليمية هاربة من هذه المطالب ومن التحديات الاقتصادية. ويسمي هذه الصراعات «الحرب الباردة الإقليمية الجديدة» عبر صراع قديم متجدد بين الشيعة والسنة وكذلك عبر الإخوان المسلمين الذين يجدون أنفسهم لأول مرة في صراع إقليمي متعدد الأطراف.
 
ويؤكد أن الدول المعنية بهذا الصراع هي مصر وإيران والأردن واليمن وسوريا التي عرقلت الإصلاحات السياسية الرامية إلى إرساء الديمقراطية وتسجل انزلاقات خطيرة، ومن جهة أخرى المملكة العربية السعودية والإمارات العربية وقطر التي حالت دون بداية أي إصلاح بنيوي. وينتقل الأمير إلى التركيز على الدول المحورية في هذه الحرب، وكيف ترغب في إخفاء الصراع الداخلي ومطالب الشعب نحو الحرية. ويؤكد أن عبدالفتاح السيسي لم يقم فقط بتمديد نظام حسني مبارك بل بإعطائه نفسا خطيرا أكبر، ويصف النظام بأنه لا يرى الواقع المصري الذي يسجل تغيرات اجتماعية هامة قادرة على خلق المفاجأة، علاوة على «البلقنة» الصامتة في هياكل الدولة التي قد تحمل مفاجآت كذلك. ويؤكد الأمير، الذي يعود نسبه من الأم إلى جده رياض الصلح وإلى محمد الخامس من من جهة الأب، هروب السيسي إلى الصراعات الإقليمية ومنها جر العربية السعودية والأردن إلى حرب مفتوحة على الإخوان المسلمين.
 
ويرى الأمير ان مصر انجرت إلى مشاكل عميقة، فماليا ترتبط أكبر بمساعدات الخليج، وسياسيا لا يتوفر النظام على قوة سياسية ثابتة عكس مبارك. وقال إن الحرب الباردة التي تقودها مصر في المنطقة هي ضد حركة الإخوان المسلمين أكثر منها صراعا استراتيجيا مع قوى كبرى في المنطقة. وأضاف ان اليمن يأخذ البعد الحقيقي للصراع بين المملكة العربية السعودية وإيران المدعمة للحوثيين، حيث يعكس صراع الأقليات والطوائف الدينية بشكل بارز في هذا العقد وهو ما جعل حزب الله يتدخل في سوريا تحت مبرر دعم الطائفة العلوية القريبة من الشيعة. وفي الوقت نفسه هو عنوان حقيقي للحرب الباردة بسبب العنصر الديني: السنة والشيعة. ويكشف عن الوجه الآخر في الصراع الدائر في سوريا التي تعيش مأساة إنسانية وثقافة واقتصاد الحرب وانهيار الدولة بشكل واسع.
 
الأمير، يؤكد غياب نقطة جوهرية في تحاليل الخبراء حول «تنظيم الدولة الإسلامية» وهي أن هذه المنظمة هي كونفدرالية لتنظيمات متعددة ومختلفة المشارب، ما يجعلها غير قادرة على التسيير المركزي، كما أن نظامها يقوم على المغانم، وهذا لا يمكن تطبيقه في المدن نهائيا وإن كان يطبق في المجال الريفي. ويحمل الأمير نظرة مختلفة عن الوضع في منطقة المغرب العربي بسبب معطيات جيوسياسية مختلفة، الذي لا يعيش حربا باردة رغم وجود صراع مغربي ـ جزائري أبدي جعله الربيع العربي يحتل الهامش. الأمير يعتبر أن أنظمة مثل الجزائر والمغرب وموريتانيا تقوم بـ «استجابة مقنعة» لمطالب المواطنين بالإصلاح، بينما هي في العمق تعزز من السلطوية، وإن كانت مقتنعة بأن رياح التغيير ستعود كما كان عليه الوضع ما بين سنتي 2011-2013. يؤكد رهان المغرب على سياسة الاحتواء سواء عبر الحوار أو العنف السياسي، ويراهن النظام على عامل الزمن. وعلاقة بالجزائر، يتجلى الإشكال في كون السلم الاجتماعي قائما على مساعدات الدولة وتمويلها للحاجيات المادية للشعب وكذلك قائما على الذكرى الأليمة للحرب الأهلية في التسعينات. ولا يستبعد ترتيب جديد للأوراق السياسية تحت ضغط معطيات جديدة وهي تراجع مداخيل البترول مما سيجبر الدولة على سياسة مختلفة لمواجهة متطلبات الشعب ثم الوضع الصحي للرئيس بوتفليقة الذي سيحتم «عقدا سياسيا واجتماعيا جديدا» في البلاد لتجنب الأسوأ والفوضى.
 
وحول الآفاق الخاصة بالعالم العربي، يرى في حالة الشرق الأوسط أن الأنظمة هناك لا تعيش فقط الحرب الباردة في الصراع السني – الشيعي والحرب ضد الإخوان المسلمين بل تعيش مواجهة حقيقية مع مجتمعاتها الهادف إلى التغيير، ولن يغطي الصراع الإقليمي على المطالب الداخلية والتي ستطفو بين الحين والآخر وفي شكل عنيف. ويقف على عامل رئيسي وهو أنه لأول مرة في التاريخ العربي – الإسلامي لم تعد القاهرة وبغداد ودمشق صانعة القرار والقوى المهيمنة بل حبيسة مشاكلها الداخلية. وفي المقابل، انتقلت الزعامة إلى عواصم مثل الرياض وطهران إلى مستوى أن المعركة الأخيرة بين السعودية وإيران سيكون مسرحها سوريا بعدما بدأت بشكل مكثف في اليمن خلال اندلاع الربيع العربي. ولكن رغم التغيير في الموازين، تستمر الحدود التي أقامتها اتفاقية سايس بيكو قائمة باستثناء حالة كردستان، بل وتعتقد الدول المتصارعة أن الاتفاقية صمام أمان لتجنب انزلاقات أخطر.
 
وفي منطقة المغرب العربي، ستستمر تونس في التأثير السياسي على شعوب المنطقة، نموذج الديمقراطي السائر نحو التطور سيكون محفزا للمغاربة والجزائريين وموريتانيا للتطلع إلى شبيه له، ولكن لن يتحقق بدون توتر بحكم تردد الأنظمة في تلبية مطالب شعوبها. ويؤكد الأمير أنه رغم ما يعيشه العالم العربي من توترات، فروح الربيع العربي مستمرة لأن الأمر يتعلق بمسلسل طويل سيستمر زمنا طويلا رغم الإخفاقات المرحلية والانزلاقات لأن هناك وضعا سياسيا جديدا آخذا في التبلور بمفاتيح جديدة ورأي عام عربي جديد.

المثقفون في العالم عربي
«الجيش السوري الحر» أكبر خاسر من اتفاقات وقف النار

تطوّران أخيران في سياق النزاع السوري لهما مضاعفات جسيمة على «الجيش السوري الحر»: الأول، حجم ومدى الغارات الجوية التي ينفّذها التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة ضد تنظيم «الدولة الإسلامية» والمجموعات الجهادية الأخرى في سورية والعراق، والثاني، الاقتراح الخاص باستخدام اتفاقات وقف إطلاق النار المحلية بين النظام السوري والمعارضة المسلحة كمدخل ووسيلة لإنهاء النزاع. فرغم المكاسب التكتيكية للغارات الجوية، إلا أنها قد تعطي عكس النتائج المرجوة وتصبّ لغير صالح «الجيش الحر».
 
وفي موازاة ذلك، اقترح المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى سورية ستيفان دي ميستورا تنفيذ اتفاقات وقف إطلاق نار محلية، لتمهيد الطريق أمام حلّ سياسي للنزاع. ويهدف هذا الاقتراح إلى تمكين نظام الأسد والمعارضة السورية من التقاط الأنفاس والتركيز على مقارعة «الدولة الإسلامية»، التي يعتبرها دي ميستورا تهديداً أكثر إلحاحاً للاستقرار في الشرق الأوسط. لكن في السياقات الراهنة، لا الغارات الجوية ولا اتفاقات وقف إطلاق النار ستكون وسائل كافية لإنهاء النزاع السوري والقضاء على «الدولة الإسلامية». ما يُحتمل أن يحدث على الأرجح هو تصعيد المجابهات بين «الدولة الإسلامية» وبين منافستها الرئيسية «جبهة النصرة».
 
إذ أن هذين التنظيمين، كما هو معروف، غرقا منذ أشهر في لجج معارك وجودية عاتية كانت اليد العليا فيها، حتى الآن، لـ «الدولة الإسلامية». وهذه المجابهة قد تتفاقم الآن، لأن كلاً من هاتين المجموعتين المتنافستين ستجد نفسها مدفوعة لإثبات قدرتها على الصمود والتصدّي رغم الغارات الجوية. ومثل هكذا تصعيد قد يُسفِر بدوره عن جعل «الجيش الحر» أكثر ضعفاً وانكشافاً. ثمة تقارير عن أن غارة جوية جديدة للتحالف الدولي أدّت إلى إصابة زعيم «الدولة الإسلامية» أبو بكر البغدادي بجروح خطيرة. بيد أن انقضاء أجل هذا الرجل، سواء كان وشيكاً أم لا، لن يسفر عن الانهيار الفوري للتنظيم، كما دلّت على ذلك تجارب سابقة مع أسامة بن لادن وأنور العولقي وقادة جهاديين آخرين جرى اغتيالهم خلال العقد الماضي. ثم، صحيح أن موت البغدادي قد يضعف التنظيم نسبياً، إلا أن ذلك قد يوفِّر أيضاً لمنافسته «جبهة النصرة» الفرصة لإعادة تأكيد نفسها ونفوذها.
 
وقد سبق لـ «النصرة» أن دشّنت بالفعل هذا المسعى. فهي إذ عجزت عن التغلّب على «الدولة الإسلامية» الأقوى منها، عمدت إلى استهداف المعارضة السورية في الشمال والغرب كي تثبت سطوتها، فشنّت منذ أسبوعين هجوماً قويّاً على «جبهة ثوار سورية»، وهي كانت أحد أقوى ألوية المعارضة التي تقاتل كلاً من نظام الأسد و»الدولة الإسلامية» في الشمال. أسفر الهجوم عن انشقاق 3500 من أعضاء «جبهة ثوار سورية» وانضمامهم إلى «النصرة» وإلى حل هذه الجبهة برمتها، ولا سيما عقب تقارير غير مؤكّدة عن اعتقال «النصرة» قائد «جبهة ثوار سورية» جمال معروف.
 
وفي 5 تشرين الثاني (نوفمبر)، قصف التحالف بقيادة الولايات المتحدة مقرّ «أحرار الشام» في إدلب، وهو الهجوم الأول من نوعه على هذه المجموعة الإسلامية التي تربطها صلات غير رسمية بـ «جبهة النصرة». وفُسِّر هجوم التحالف على «أحرار الشام» على أنه كان يستهدف مقاتلي «النصرة» الذين كانوا يستخدمون مبنى تابعاً لهذا التنظيم. بيد أن لهذا الهجوم فوائد محدودة. فقبل هجوم «النصرة» على «جبهة ثوار سورية»، كان قد أصبح جلياً أنه رغم القوة التي تمتّعت بها الجبهة، كانت تخضع، إلى جانب «الجيش السوري الحر» عموماً، إلى تهديدٍ متنامٍ من «النصرة».
 
وكان جمال معروف قد سعى إلى التواصل مع «النصرة» لإقناع قادتها بالموافقة على شكلٍ من أشكال التسوية، بغية تجنّب مواجهة قاتلة مع المجموعة. في غضون ذلك، كان «الجيش السوري الحر» يتعرّض لهجمات «النصرة» في الجنوب أيضاً، حيث اغتالت هذه الأخيرة سبعةً من كبار قادة «الجيش السوري الحر» حتى الآن. ونتيجة لهذا الضغط، أوضح «الجيش الحر» للولايات المتحدة أنه يحتاج إلى دعمٍ كبيرٍ لا ليحمي نفسه من التهديد الثلاثي الذي يفرضه نظام الأسد و»جبهة النصرة» و»الدولة الإسلامية» وحسب، بل أيضاً ليتمكّن من التفوّق على أعدائه لاحقاً. غير أن الولايات المتحدة تأخّرت جداً في الردّ، وعندما فعلت، لم يكن ردّها شاملاً. فعوض أن تقدّم لـ «الجيش السوري الحر» دعماً استباقياً ودفاعياً، لم تهاجم مقرّ «أحرار الشام» إلا بعد أن تمكّنت «النصرة» من إلحاق أضرار فادحة بـ «جبهة ثوار سورية». ولم يهاجم التحالف، إلا بعد ذلك، موكب «الدولة الإسلامية» الذي من الممكن أنه كان ينقل البغدادي.
 
ردُّ التحالف المتأخّر هذا أدّى إلى ترك حلفائه مكشوفين. ورغم الانتكاسة التي مُنيَت بها «النصرة» عقب مقتل بعض مقاتليها في الهجوم الذي شُنّ على «أحرار الشام»، دلّ استهداف موكب قيادة «الدولة الإسلامية» أيضاً على أن «النصرة» تستطيع الإفادة من هذا الهجوم، في حين تواجه «الدولة الإسلامية» نفسها الآن التحدي الأكبر المتمثّل بإثبات قدرتها على البقاء، سواء مع البغدادي أو من دونه. كل هذه التحديات تدفع «الدولة الإسلامية» و»جبهة النصرة» إلى بذل جهود حثيثة لإثبات قدرتهما على الصمود، في حين تواصل المجموعات الجهادية الأصغر، وآخرها «أنصار بيت المقدس» في مصر، الانضمام إلى التنظيمَين. ومن المتوقّع أن تتواصل هذه العملية. ففي سياق الحرب، غالباً ما تُترجم رغبة اللاعبين الصغار في حماية الذات وفي السلطة، بطريقة براغماتية. هذا يعني، رغم الخسائر التي تكبّدتها «الدولة الإسلامية» و»النصرة» نتيجة الغارات، أنه كلّما اتّسع نطاق الضربات، يرجّح أن يزيد التنظيمان أنشطتهما لإثبات قدرتهما على الصمود، وبالتالي، يبدأ عدد متزايد من المجموعات الجهادية الأخرى بالنظر إلى «الدولة الإسلامية» و»النصرة» على أنهما ملاذان محتملان. وهذا في آخر المطاف يؤدي بسورية إلى انقسام مناطقها الشرقية والشمالية والغربية كما الوسط بين سيطرة «الدولة الاسلامية» و»النصرة» والنظام، فيما تنحصر المعارضة في الجنوب. يمكن وقف ردّ الفعل التسلسلي هذا حين
 
يصبح «الجيش السوري الحر» منافساً قويّاً على الأرض، وقادراً على إلحاق الهزيمة بالتنظيمين وبالنظام السوري أيضاً. وهنا ستكون عمليات وقف إطلاق النار في الوضع الراهن في غير مصلحة «الجيش السوري الحر». طيلة فترة الصراع، ثبُت أن عمليات وقف إطلاق النار المحلية لا تفيد المعارضة السورية، بل نظام الأسد وحسب: فبعد كل وقفٍ لإطلاق النار، كان النظام قادراً على استعادة المناطق التي خسرها أمام المعارضة في مناطق وقف القتال. حمص خير مثال على ذلك. قد ينجح وقف إطلاق النار في سياقٍ تكون فيه الجهات المتحاربة متكافئة نسبيّاً على المستوى العسكري. لكن بما أن نظام الأسد أقوى من «الجيش السوري الحر» في الوضع الراهن، فان من شأن وقف إطلاق النار أن يمكّن نظام الأسد ضد «الجيش السوري الحر» و»الدولة الإسلامية»، وليس ضد الأخيرة وحسب.
 
في حال تم تنفيذ عمليات وقف إطلاق النار المحلية خلال استمرار التحالف بمهاجمة «الدولة الإسلامية» و»جبهة النصرة» من دون تمكين «الجيش السوري الحر»، سيكون هذا الأخير الخاسر الأكيد في السيناريو المقبل، خصوصاً أن أيّاً من «الدولة الإسلامية» أو «جبهة النصرة» لن يوافق على وقف إطلاق النار. وفي حين أجّجت ضربات التحالف نار المواجهة بين التنظيمَين اللذين يصعّدان أنشطتهما العسكرية في إطار سعيهما إلى إثبات نفسيهما، سيصبح «الجيش السوري الحر» الهدف الأسهل. وفيما يطول أمد الصراع السوري وتزداد حدّته، لا يحتاج «الجيش السوري الحر» لمواجهة هذه العاصفة إلى إجراءات انتقامية على يد التحالف، ولا إلى وقفٍ لإطلاق النار من شأنه تمكين أعدائه، بل هو بحاجةٍ إلى دعم دفاعي في المدى القصير، وإلى تعزيز قدراته الهجومية في المدى الطويل.

حوار حصري مع الأمير المغربي مولاي هشام العلوي

"تستضيف عزيزة نايت سي بها في هذه الحلقة الأمير المغربي مولاي هشام العلوي الذي أصدر كتابا بعنوان "يوميات أمير منبوذ"

نحو ديمقراطيات فعالة في تونس ومصر وليبيا

 
يتخلل المؤتمر مناقشات حول صياغة الدستور؛ الحوار الوطني؛ الإئتلافات السياسية؛ المشاركة السياسية وحقوق المواطنة؛ السياسة الإقتصادية؛ والعلاقات بين الولايات المتحدة وأوروبا والعالم العربي
برنامج الإصلاح والديمقراطية في العالم العربي
جامعة ستانفورد
http://arabreform.stanford.edu

فيديو: زعيم حركة النهضة راشد الغنوشي
فيديو: الباجي قائد السبسي ,زعيم نداء تونس
الامير مولاي هشام: المغرب في حاجة لفتح صفحة جديدة بعيدا عن 'أشكال المناورة والالتفاف السياسي'

مالقا (اسبانيا) ـ 'القدس العربي': تحدث الأمير هشام بن عبد الله ابن عم ملك المغرب عن تميز واختلاف الربيع العربي وانتفاضات الشعوب العربية عن نوعية الثورات التي شهدها النصف الثاني من القرن العشرين سواء الثورة الإيرانية أو ما جرى في أوروبا الشرقية بعد سقوط جدار برلين، مسجلا أن على المغرب فتح صفحة سياسية جدية بعيدا عن 'الالتفاف السياسي' لتفادي 'تسونامي خطير لن يوقفه أحد'. وأبرز الأمير في الوقت ذاته التحدي الكبير المتمثل في بناء المؤسسات الديمقراطية، ومعتبرا ـ في حالة المغرب ـ أن انزلاق الدولة الى استعمال المساجد والتدخل خلال حملة الاستفتاء يؤدي الى إفراغ الدستور الجديد من محتواه. جاء هذا التأكيد في محاضرة ألقاها أمس الثلاثاء في جامعة مالقا الأندلسية ضمن ما يعرف بـ'الجامعة الصيفية الدولية' لهذه المؤسسة العلمية. وخصصت الدورة الحالية خلال الأسبوع الجاري للثورات في العالم العربي بمشاركة عدد من الخبراء الجامعيين والدبلوماسيين والسياسيين العرب والأوروبيين. ويبرز الأمير تميز الربيع العربي في قيادة الشباب المتحرر من أي إديولوجية أو لون سياسي مهيمن لهذه الثورات غير المرتبطة بالتشكيلات السياسية المعارضة الكلاسيكية المتعارف عليها، وهو ما يطرح لاحقا إشكالية القنوات التي يجب عبرها تصريف شتى المطالب المشروعة طالما أن الأحزاب الكلاسيكية فقدت أي مشروعية. واعتبر الامير مولاي هشام الذي عُرف في المغرب بدعواته الاصلاحية، التحدي الكبير الذي تواجهه هذه الثورات هو 'مأسسة' الديمقراطية بشكل متين للمحافظة على الروح الثورية الديمقراطية مستمرة، ملحا على عاملين: الأول هو بناء مؤسسات أمنية ومالية وسياسية تتمتع باستقلالية حقيقية وفي خدمة المواطنين أساسا، والثاني ضرورة محافظة الثورات العربية على نقاءها من تدخل القوى الخارجية التي ترغب في فرض نموذج سياسي معين وتغليب الروح الوطنية المستقلة، حيث لا يبدو العرب أو الشباب العربي مثل 'طلاب الديمقراطية' الذين ينتظرون الدروس من الآخرين، الغرب أساسا. فقد حاولت الولايات المتحدة فرض نموذج سياسي ديمقراطي معين في العراق نتج عنه مآسي، حسب قوله. وحضر المغرب بقوة في مداخلة الأمير وخاصة خلال النقاش الذي تبعها. وحول الدستور المصادق عليه يوم 1 تموز/يوليو الجاري لاحظ الأمير مولاي هشام ان تدخل الدولة في عملية الاستفتاء أثر على مصداقية الدستور. وقال: 'كان من المنتظر أن تكون الحملة المرافقة له خطوة في مشروع المواطنة، لكن ما حدث كان أشبه بتجديد البيعة بسبب انزلاقات مقلقة للغاية من ضمنها تدخل الدولة بشكل سافر عبر توظيف المساجد والتوجيه بالتصويت بنعم. كل هذا يؤدي الى التشكيك في نسبة المشاركة وفي نسبة المصادقة على الدستور'. وأضاف أنه كان ينتظر جرأة أكبر في الإصلاح بالمغرب 'تصل الى القطيعة مع ممارسات الماضي'، لكن ذلك لم يحصل، حسب قوله. وحول مستقبل حركة 20 فبراير بعد المصادقة على الدستور، رأى الأمير أن هذه الحركة تحتاج للدعم المعنوي، معتبرا أن المنطق السياسي يحتم عليها، كباقي الحركات الاحتجاجية الجديدة في العالم العربي، التحول الى حزب سياسي أو حركة سياسية لكي تترجم برنامجها عبر المؤسسات'. غير أنه استدرك بالقول ان المشكلة هي أن نشطاء 20 فبراير يشمئزون من الممارسة السياسة الحالية بسبب الوضع الذي أصبحت عليه السياسية في البلاد بعد سنوات طويلة من ممارسة غير مشرفة في المغرب وباقي الدول، كما قال. في المقابل، يرى في رغبة الدولة في تحويل 20 فبراير الى حركة سياسية محاولة لاستيعابها لاسيما وأن لها (الدولة) تجربة في هذا الشأن. ويرى الأمير أن احتفاظ المؤسسة الملكية بما وصفها ببعض 'جيوب السلطة' مثل الإشراف على الجيش والأمن والحقل الديني أمرا قد يكون عاديا في مراحل الانتقال السياسي، أي بشكل مؤقت، لكن الإشكال الكبير في المغرب حاليا، حسبه، هو الألغام الكثيرة التي وضعت في حقل الوزير الأول، إذ يتطلب الأمر شخصية سياسية ذات وزن حقيقي تمتلك الشجاعة السياسية لمباشرة هذا المنصب. ونوه الى أن المشهد السياسي في البلاد 'متعب للغاية وبعضه فقد مصداقيته أمام الرأي العام، وهو إشكال كبير'، مؤكدا اقتراب المغرب على المدى المتوسط من النفق المسدود بسبب إصلاحات محدودة أمام مطالب شعبية متزايدة، مستدلا باستمرار تظاهرات حركة 20 فبراير بعد المصادقة على الدستور، الأمر الذي يؤكد على فصل خريف ساخن سياسيا للغاية، حسب قوله. واعتبر الأمير، وهو ابن عم الملك محمد السادس، أن المغرب، كباقي الدولة العربية، في حاجة لطي الصفحة القديمة وبدء أخرى بشكل حقيقي بعيدا عن 'أشكال المناورة والالتفاف السياسي لتفادي النفق المسدود لأن تسونامي التغيير لن يوقفه أحد'.

العرض الأول لمسرحية أو فيلم 'A Whisper to a roar'

العرض الأول لمسرحية أو فيلم 'A Whisper to a roar'

العرض الأول لمسرحية أو فيلم 'A Whisper to a roar'
المؤسســـة عل الفىسبوك

شاركونا على تويتر
تعرض مؤسسة مولاي هشام
فيديو

المقابلة مع الأمير مولاي هشام

مديـــــر المؤسســـــــة

الجزيرة